)
الأوجلانية والقضية الكوردية (2-3)
"الذين انفصلوا عنا، يمكنهم توجيه النقد لي ولأفكاري" (الزعيم المعتقل عبد الله أوجالان)
في البداية سأستخدم كما في المقالات السابقة، ضمن هذه السلسلة، عبارة "السيد (آبو)" للاختصار، عوضاً عن الاسم الكامل للزعيم المعتقل عبد الله أوجالان، وأنبّه إلى أن الموضوع سيطول قليلاً بسبب أهميته وتشعبه... وأستعين في معالجتي التاريخية بمقولة للفيلسوف البريطاني الشهير جورج برنارد شو: ((إن قول الحقيقة هي أعظم نكتة في هذا العالم!.))
الأوجلانية والدولة المستقلّة والحكم الذاتي:
نقلنا في الحلقة السابقة بأن السيد (آبو) كان قد طرح مشروعاً سياسياً بمجرّد وصوله إلى روما في عام 1998 قادماً من سوريا التي اضطر النظام فيها إلى ابعاده مكرهاً بسبب التهديدات التركية بالغزو في حال استمرار بقاء السيد (آبو) في دمشق أو لبنان، حيث كان لبنان خاضعاً من الناحية العملية للنظام السوري عسكرياً وسياسياً منذ زمن طويل. وتضمّن ذلك المشروع فكرة (الحكم الذاتي) التي كان يعتبرها السيد (آبو) في تسعينات القرن الماضي مفهوماً خطيراً، حيث كتب عدة مرات في ذلك الموضوع، متهماً أحزاب جنوب كوردستان (المطالبة بالحكم الذاتي سابقاً) بالخيانة للشعب الكوردي ((...هؤلاء العملاء وشعاراتهم المتمثلّة في الحكم الذاتي لكوردستان العراق)) على حد قوله – كما في تحليلات عام 1991 ، ص 158 وكما كان يقول: ((إن مفهوم الحكم الذاتي ومن حيث المبدأ هو مفهوم خطير جداً، فهويقطع الطريق على الاستقلال والحرية وغير قابل للتحقيق أيضاً، وفي حال تحقيقه إذا لم تستهدف التوجه الاستقلالي التحرري، عندها ستقتل رغبات شعبنا بالاستقلال، وستتخذ مكاناً لها في مقدمة قوات العدو، وفي المجال الداخلي، ستشكّل إحدى العوامل الأساسية للرجعية. هذا هو مفهومنا.)) (تحليلات 1991، ص 157) وكان أمله كبيراً في أن يقضي على تلك الأحزاب، بعد الانتكاسة الكبيرة التي تلت انتفاضة 1991 الكبيرة، وما لحقها من هجوم عراقي واسع على شعب كوردستان العراق، و((سيستغل ب ك ك الفراغ الناشىء في كوردستان الجنوبية لصالحه وسنجعلها أساساً للشمال...إن من يملىء هذا الفراغ سيصبح دولة.)) (المصدر نفسه: ص 182)
وكان يقول: ((يوجد بعض الأكراد الحمقى في كوردستان الجنوبية ويريدون أن يمدّوا أياديهم للدولة التركية من أن أجل أن يعملوا سوية ضدنا... إننا سوف نهاجم هؤلاء... وفي الشمال والجنوب لن نبتعد عن الشعب ولن نترك الشعب تحت رحمتهم وفريسة سهلة في يدهم...)) (المصدر نفسه: ص 22)
وكان السيد (آبو) يتوجه بالكلام القاسي ضد قيادتي جنوب كوردستان الأساسيتين (البارتي ويكيتي) والزعيمين (البارزاني والطالباني)، ويجدر بنا ايراد أمثلة قليلة هنا، لنر كيف كان يتّم توجيه الشعب الكوردي ضد هؤلاء الزعماء الذين كان ديدنهم انتزاع ما يمكن انتزاعه من الدولةالعراقية لصالح شعبهم، حتى ولو على شكل (حكم ذاتي)، حيث كانت كل الظروف في غير صالح الكورد في تلك المرحلة، وبخاصة بعد انتفاضة 1991م التي انتهت بتشريد الملايين من الشعب الكوردي.
فهو يقول: ((سنقتلعهم من جذورهم...فنحن هنا من أجل الشرف نضحي بأنفسنا (يقصد في كوردستان الجنوبي) واصلاح هؤلاء عديمي الشرف والكرامة... لقد صنعوا حياتهم على حساب آلام ومعاناة شعبنا واراقة دمائهم، وهنا قمنا قائلين يجب ايقاف سكب هذه الدماء من أجل حفنة من المال... إن أكبر عقبة تقف أمام مسيرتكم النضالية سواء أكنتم في الشمال أو الجنوب أوفي عموم كوردستان هم هؤلاء القادة.)) (المصدر نفسه: ص 211-213) ثم يقول بعد ذلك بقليل: ((إن اقترابكم من النصر ليس من أجل الحكم الذاتي، انما من أجل الاستقلال والحرية، وقراركم هذا هو صائب (يعني قرار اقتحام الجنوب والهجوم على قياداته) فلا تنتظروا المساعدات من أحد، عليكم الثقة بقوتكم ونضالكم... إن فترة سبع سنوات في الحرب الشعبية كافية لتحقيق النصر وتشكيل دولة!)) (المصدر نفسه: ص 214)
بل كان السيد (آبو) مقتنعاً بأن ((السيطرة الاستعمارية التركية في كوردستان قد تحطمت سياسياً وستتحطّم عسكرياً أيضاً...لقد ضايقنا عليهم الخناق بالنضال الدؤوب، وقد بقي بعض العملاء وحماة القرى... ويجب ازالة هؤلاء خلال ستة أشهر وتصفية الكثير من الثكنات العسكرية.)) (المصدر نفسه: ص 183) فهو يضع مهلة قصيرة (6 شهور) لتصفية الوجود العسكري التركي، وكأنه لايعيش في الواقع الحقيقي الذي عليه الأوضاع في شمال كوردستان وجنوبها، فيقول: (( يقول العدو بأنه يتم انشاء دولة كوردية صغيرة، هذا صحيح ولكنها بيد عملاء أمريكا، وهذا يعني بأن أمريكا تريد أن تضع الأكراد تحت سيطرة بعض الفئات العشائرية الكومبرادورية، إلآّ أن بناء السلطة الشعبية هي أساسنا خلال ستة أشهر... وعلى هذا الأساس ينطلق نضالنا في المدن والقرى والجبال، ونبدأ بازالة الحدود وبناء الدولة الكردية!)) (المصدر نفسه: ص 184)
وماذا يريد السيد (آبو) تحقيقه من هذا كله؟
(( إن ما نريد تحقيقه هو انتصار فكر الاستقلال والأخذ بعين الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية. وإن مهمتي هي إزالة العشائر والعائلات وذلك بيدي، وهذه أيضاً حقيقة قيادتنا، إننا نعادي كل القيادات العشائرية ونعادي كل من يريد تطبيقها في الحزب، لأننا نمثّل قيادة الشعب والعمال الذين يريدون الوطنية والديموقراطية والاشتراكية، ولا أقبل الروابط العائلية.)) (المصدر نفسه 185)
فالسيد (آبو) في تحليلاته تلك لم يكن يقبل بالحدود والحكم الذاتي والقيادات العشائرية فحسب، وانما كان لايقبل حتى الروابط العائلية، التي هي أثمن الروابط الانسانية على الاطلاق حتى في أشد المجتمعات المتحررة اجتماعياً.
وهذه النعرة المعادية للحكم الذاتي وأنصاف الحلول والعشائرية والاقطاعية والروابط العائلية والعمالة لأمريكا واسرائيل والارتزاق من الدولة التركية نجدها حتى لحظة اعتقال واختطاف السيد (آبو) في كل أدبيات حزب العمال الكوردستاني المهتدي بأفكار (القائد) الذي رفع نفسه إلى مصاف الأنبياء على الدوام، ورضي الحزب بذلك طوعاً أو كرهاً...بل وانتحرت الفتيات والنساء من أجل حريته...
ولكن يبدو أن السيد (آبو) نفسه لم يكن مرتاحاً ضمنياً لأفكاره تلك، فهو يعترف بعد الاعتقال بخطأ تحليلاته (!) تلك أو أنه يحاول ارضاء التركية بذلك مقابل الابقاء عليه حياً، في كتابه (دفاعاً عن شعب – الترجمة العربية لهيفيدار شيار) هذا الكتاب الذي تحدّث فيه بصراحة وتفصيل عن عديد من الموضوعات، ومع ذلك سمحت له ادارة السجن (وهي ادارة تركية عنصرية وفاشية) بأن يجد طريقه إلى قلوب أنصار السيد (آبو)، وكأنها (ادارة كوردية أو فرع مشرف على اعلام كوردي ملتزم !)... أو أن في الكتاب ما هو املاء تركي للقائد الكردي؟
يقول السيد (آبو) حول الدولة المستقلّة في هذا الكتاب: ((الموضوع الأهم الواجب تسليط الضوء عليه في نهج ب ك ك السياسي، هو تضمنه مفهوم الدولة المستقلة، أو عدمه. فرغم التطرق الكثير لشعار "كردستان مستقلة"، إلا أنه من الصعب القول بأنه يعني إقامة دولة مستقلة. وباعتباري أكثر المعنيين بالموضوع والمهتمين به عن كثب، لا يمكنني الزعم بأننا فكرنا ملياً أو ناقشنا بعمق مصطلحَ الدولة عامة أو دولة كردستان على وجه التخصيص. فرغم ميولي لهذا الشعار كخيال أو يوتوبيا، إلا أن طرحه على أرض الواقع لم يكن يجذبني كثيراً. أعتقد أن لذلك علاقة بعدم جزمي بمدى قيمة الحل في هذا المصطلح، أكثر من كونه مسألة رغبة فيه أو عدمها. إذ لم يكن محسوماً لدي أن بناء دولة يعني الحل.)) (عبد الله أوجالان – دفاعاً عن شعب، ص 214 على شكل صفحات دينا 4)
ولكنه يبرر أخطاءه حيال الدولة المستقلّة بأن المنهج الاشتراكي الذي كان يؤمن به هو الذي أوقعه فيها، إذ يقول بعد ذلك بقليل: ((وعجز الأيديولوجية الاشتراكية أيضاً عن تحليل مسألة الدولة بشكل كلي، كان يُزيد الأمر غموضاً وتعكيراً. ولفكرة "لكل أمة دولة" – حسب مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها – النصيب الأوفر في تعقيد المسألة أكثر.)) (المصدر نفسه: ص 214)
كما يحاول هنا الالتفات إلى الشخصية الكوردية لالقاء التبعات عليها، فيرسم صورة لها لاتختلف عن الصورة السلبية التي رسمها الأعداء الطورانيون عن "الكوردي" في المدرسة والاعلام والجيش والثقافة التركية السياسية والحزبية، فيقول: ((لقد قدمتُ تحليلات كثيرة بشأن الشخصية. ولكن، يستعصي علي القول بأني حللتُ الكردي بكل معنى الكلمة، أو حسمت أمره تماماً. ذلك أنه أُبعِدَ كثيراً عن ذاته واغترب. ورغم منظره الكردي خارجياً، إلا أنه اختلف عن ذلك مضموناً. وهو جاهل تماماً لأبعاد الخيانة التي يغرق فيها. لا تنطبق عليه قوانين البشر ولا قوانين الحيوانات. وكأني به يلعب دور كائن حي من نوع ثالث.)) (المصدر نفسه: ص 218) أفلا يجعل الإنسان الكوردي هنا سبباً لأخطائه السياسية الكبيرة التي أودت به إلى القفص التركي الشنيع. فهل هناك زعيم في العالم يضع شعبه في خانة "لاتنطبق عليه قوانين البشر ولا قوانين الحيوانات!"؟ ولا ينسى السيد (آبو) التطرّق في هذا السياق من جديد إلى فيدرالية جنوب كوردستان حتى يظهر وكأن الكورد غير قادرين على القيام بشيء دون الدولة التركية، فيقول:((...فظاهرة "الدولة الكردية الفيدرالية" الراهنة، ليست سوى كيانٍ برز إلى الساحة، كثمرة لجهود الجمهورية التركية في حث أمريكا وشركائها على إعلان (ب ك ك) كمنظمة "إرهابية" على الصعيد العالمي.)) (المصدر نفسه: ص 240)
أي كل ما في الأمر هو اطلاق الصفات السلبية على حزب العمال الكوردستاني، ولاعلاقة للأمر بكل تاريخ الكفاح التحرري للشعب الكوردي في جنوب كوردستان... وهكذا ينظر قائد شعب لنضالات إخوته وأخواته في اقليم من أقاليم كوردستان، بل إنها ليست "نضالات!" وانما مجرّد مساومات (تركية – أمريكية) على شكل: أنت توافقني على اتهام (ب ك ك) مثلي بالارهاب في الشمال وأنا اسمح لك بأن تنشىء "دولة كوردية فيدرالية" في الجنوب، وكأن تركيا هي التي تفرض شروطها على الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والعراق وأحزاب كوردستان العراق جميعاً... أليس هذا من باب اظهار القوة العظيمة للدولة التركية؟ والاستهانة بكفاح الشعب الكوردي واعتباره مجرد "ظاهرة" والظواهر تزول وتتبدّل؟
كما كتب إلى رفاق حزبه من السجن، حول موضوع الحكم الذاتي والدولة الكردية، رسالة في الذكرى الثلاثين لتأسيس حزبه العمالي الكوردستاني، الذي كانت جريدته المركزية تدعى ب"سرخوبون – الاستقلال" بعد ظهوره على الساحة السياسية الكوردية كحزب ثوري، قال فيها:((تأسيس الدولة الكردية في الجنوب يمتد إلى عام 1946. فعند تأسيس دولة إسرائيل، أرادت تكوين دولة كردية في المنطقة مرتبطة بها، كي تشتت العرب، وتلهي كلاً من تركيا وإيران. ومنذ ذلك الوقت كانت لها علاقات مع أسرة البارزاني. في الحقيقة، كانوا يريدون تأسيس دولة كردية في الجنوب، ليرتبط كل الكرد بهم، وعندما فهموا أنني أدركت هذا الأمر استهدفوني...)) (المصدر: رسالة أوجالان في 28/11/2007)
ودعا في الرسالة ذاتها مؤتمرالمجتمع الديمقراطي (التابع لحزبه عملياً) إلى قبول مبدأ الحكم الذاتي والعمل به، والدفاع عنه حتى بحمل الأسلحة الخفيفة، مما يذكّرنا ب(حماة القرى) هنا، فقال في رسالته:((يجب أن يهدف إلى الحكم الذاتي الديمقراطي. ذلك هو الأمر الذي أقصده بتأسيس (ب ك ك) من جديد، وليكن للكرد قواتهم – بالأسلحة الخفيفة – في القرى والمناطق الكردية على شكل ميليشيا شعبية. ولا يمكن مقارنتهم بحماة القرى الذين يحملون السلاح من أجل المال ولأغراضهم الشخصية. ولكنني طورت مفهوم الحكم الذاتي الديمقراطي مقابل مفهوم الدولة القومية. هؤلاء يدَّعون معاداتهم لـ ب ك ك، وكل من أردوغان والولايات المتحدة يدعمان البارزاني، وهم الذين يمثلون الدولة القومية. أي، يقومان بدعم الكيان في الجنوب، ولكن ذلك الكيان يمثل الدولة القومية، وغداً سيشتبكون، لأن الدول القومية تشتبك.)) (المصدر: رسالة أوجالان في 28/11/2007)
بعد سرد تاريخي للعلاقة بين الترك والكورد، في كتابه "دفاع عن شعب" فإنه يصل إلى نقطة هامة يهدف من وراء السرد التاريخي والحديث عن الدورالتاريخي للترك في الموضوع الكوردي، فيقول: ((تطابَقَ منطق العلاقات الكردية – التركية خلال هذه المرحلة السياسية الطويلة، مع نمط التحالفات الاستراتيجية. وتبرهن حاجة الطرفين المتبادلة لبعضهما البعض على صواب تلك التحالفات الاستراتيجية، التي إنْ تخلى الطرفان عنها، فسيؤدي بهما المآل إلى الخسارة الاستراتيجية لا محال.)) (المصدر نفسه: ص 242).
وكتب في يوم 20/6/2007 حول ضرورة عقد تحالف تركي – كوردي، فقال: ((إذا كنتم ترغبون في حل المشاكل عليكم التحالف مع الكرد. فقد تمكّن السلطان ياوز سليم من التقدم بتحالفه مع الكرد، كان السلطان ياووز سليم من أحد رجال الدولة الجادين، كان متعقلاً، قال للأكراد:"انتخبوا فيما بينكم أميراً للأمراء" وقد لبى المطالب الكردية. هكذا توجه نحو الشرق الأوسط وأسّس الوحدات الإسلامية)) ويستشهد على ذلك بمواقف مصطفى كمال الخداعية فيقول في ذات الرسالة: ((فعل مصطفى كمال نفس الشيء أيضاً وقبل بالشروط المتساوية مع الكورد لينتصر في حرب التحرير)).
فنرى هنا انقلاباً واضحاً من فكرة "ضرورة انهاء وجود الاستعمار التركي في كوردستان" إلى فكرة "التحالف الاستراتيجي بين الترك والكورد" والهدف الأبعد هو بالتأكيد "التخلّص نهائياً من فكرة الاستقلال الكوردي"... وهذا هو بيت القصيد في هذا الكتاب حسب رأيي.
وهنا لاينسى السيد (آبو) أن يفسد أي محاولة لاقامة علاقات أفضل بين حكومة جنوب كوردستان وبين الحكومة التركية، فيزعم أن البارزاني كان يطمح في "نقاشات سابقة" في ضم ديار بكر وغيرها إلى دولته الفيدرالية في العراق، فيقول للأتراك وحكامهم:(( أقول علانية: أنتم من أنجبتم شمال العراق، كنتم القابلة في ولادتها، لم يكونوا يتوقعون أن البارزاني سيطلب أمور أخرى، والآن مخاوفهم الأساسية هي احتمال أن يطالب البارزاني بأماكن أخرى. هل رأيتم، بعد أن حصل البارزاني على القوة يسعى لمد يده إلى كل مكان، لقد تفاجئوا ذعروا. بالطبع، سيطالب البرزاني بـ ديار بكر وسيطالب بأماكن أخرى أيضاً، لستُ أنا من أقول هذا بل هذا ما كان موضوع النقاش. هناك دعم أمريكي واسرائيلي، سيقومون بتأسيس دولة. أنا كنت أطالب بكردستان ديمقراطية، تعلمون، لقد ناضلت بمرارة ضد هؤلاء في السابق، لكنهم رأوني عائقاً أمامهم وسلموني لتركيا، بعدها زادوا قوةً، سيفرض البارزاني دولة ً قومية لأنه يملك داعمين ويملك جيشاً، وواضح أن أمريكا واسرائيل تدعمهم بشكل كبير.)) (المصدر: رسالة أوجالان في 20/6/2007).
ويزيد السيد (آبو) من حدة هجومه على ما أنجزه شعبنا في جنوب كوردستان، من خلال اثارة الفتن بين حزبه الذي يتخذ له موقعاً عصياً في جنوب كوردستان (جبل قنديل) على مقربة من الحدود العراقية – التركية وبين الحزبين الكبيرين هناك، بارتي ديموقراطي كوردستاني ويكيتي نيشتماني كوردستان، إلاّ أنه يبالغ في اتهاماته بشكل يصعب قبوله من قائد شعب، فهو يقول: ((لنأتِ إلى مسألة ما إذا كان كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني يعبران عن نفس الشيء. كيف تفهمون القوموية الكردية؟ هل تعلمون وضع الهاربين من الصفوف؟ لقد لجأوا إلى الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني، وقعوا تحت سيطرتهم، تطرقت لذلك سابقاً، حيث أن لليهود دور في تبني الجنوبيين للنهج القومومي، إن الوقوع تحت سيطرة الحزبين الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني يعني الوقوع تحت سيطرة الامريكان، فلا فرق بين الطرفين، ثم أخذوا معهم عدة أشخاص، منهم من تولى مسؤوليات عليا ضمن الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني. قام هذان الحزبان بالسيطرة عليهم عبر النساء والبنات والنقود والإمكانيات، حيث وجهوا رسالة إلى أمريكا عبر إظهار إمكانية احتواء حزب العمال الكردستاني ضمنهم، وبالتالي مقدرتهم على إنهائه.)) (المصدر: رسالة عبد الله أوجالان في 23 نيسان 2008 المعنونة ب "حزب الشعب الجمهوري يمثل التعصب القومي الأعمى")
وإذا ما قارنا بين ما كان يدعو إليه حزب العمال الكوردستاني في بدايات انطلاقته الثورية التي أعطت الشعب الكوردي زخماً نضالياً حقيقياً، من خلال تضحيات رفاقه الأوائل وفي مقدمتهم مظلوم دوغان وكمال بير وحسن خيري، وآلاف الفتيان والفتيات الكورد، وبين ما وصل إليه بعد اعتقال زعيمه السيد (آبو) لوجدنا تحولاً كبيراً من اتفاقية (سيفر) الدولية في عام 1920، تلك التي تضمنّت بنوداً صارخة حول حق الأمة الكوردية في الحرية والاستقلال، في بنودها (62، 63 و 64) إلى اتفاقية (لوزان) الدولية في عام 1923، التي قضت بشكل واضح على مضمون تلك المواد التي منح بها المجتمع الدولي كثيراً من الحقوق المطلوبة للأمة الكوردية، ولم تنجح فيها تركيا، إلآّ بتقديم مصطفى كمال نفسه كتابع مخلص للعالم الغربي، و(لوزان) يعتبر أسوأ اسم يذكر في تاريخ الحركة التحررية الكوردية ومصدر شؤم وبداية رعب، لأن مصطفى كمال ومن جاء بعده من الحكام الطورانيين، استخدموا سائر أساليب القمع والبطش والاكراه للقضاء على الشعب الكوردي وحركته الوطنية الثورية باستغلالهم اتفاقية (لوزان) التي كانت للترك مغنماً وللكورد والأرمن مغرماً.
إن الاعلام العمالي الكوردستاني تميّز باستمرار بأنه ليس خط (الثورة والمقاومة) فحسب، وانما هو خط (الحرية والاستقلال الوطني) أيضاً، فقد نشر الحزب بعد تأسيس جبهة التحرير الوطنية الكوردستاني في 21 آذار عام 1985 بأنه ((هكذا افتتحت صفحة جديدة في تاريخ الشعب الكوردستاني، هذه الجبهة التي تهدف إلى تنظيم حركة الشعب وتعبئة نضاله ونسف كافة أشكال السيطرة الاستعمارية ومن خلفها الامبريالية لتحقيق الاستقلال الوطني لكوردستان...)) (أنظر كتاب: قضية التحرر الوطني الكوردستاني وطريق الحل – مقدمة مشروع برنامج جبهة التحرير الوطنية الكوردستانية، ص 10)
وكتبت هذه الجبهة، جبهة التحرير الوطنية الكوردستانية (أرنك) في بيان اعلانها الشهير: ((إن فكرة الاستقلال والحرية في كوردستان وبروز السياسة التحررية الوطنية وتجسهما بالتالي في حركة تحرر وطنية ثورية تشكّل بالنسبة لمصير الشعب الكوردستاني ولمستقبله حدثاً وتاريخاً، ونقطة انعطاف هامة. فالشعب في كوردستان وصل بذلك إلى القوّة التي تمكّنه من أن يوقف المسيرة المقلوبة للتاريخ...)) (المصدر نفسه: ص 229)
والجبهة تعتقد بأن (( التطوّر والنمو في سائر الميادين مشروط بنسف كل أشكال هيمنة الاستعمار التركي ومن خلفه الامبريالية على كوردستان، وبتحقيق الاستقلال الوطني الناجز لكوردستان.)) (المصدر نفسه: ص 233) كما أن الجبهة ترى أن: (( التناقض الرئيسي هو التناقض الوطني وتعتبر مهمة حل هذا التناقض وصولاً إلى تحقيق الاستقلال الوطني أكثر المهام الحاحاً وعجالة...)) وتأكيداً على ذلك فإن البيان يستمر في توضيح نهج الجبهة التي تضع نصب أعينها ((هدف انهاء ونسف جميع أشكال الهيمنة الاستعمارية التركية في سائر الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والقومية – الثقافية، وضمان الاستقلال الوطني الناجز لكوردستان.)) (المصدر نفسه: ص 233)
أفلا يشكل ما يكتبه ويرسله السيد (آبو) من سجنه ضربة قاصمة لكل تلك الأهداف الكبيرة التي وضعتها جبهة التحرير الوطنية الكوردستانية منهجاً لها في الكفاح الثوري؟ أليس هذا انتقالاً مشابهاً للانتقال من (سيفر) إلى (لوزان) التي يعتبرها الكورد على الدوام خيانة دولية تاريخية لهم؟
وتأكيداً على قولنا بأن الانتقال قد تم من (سيفر) إلى (لوزان) نعتمد على ما يقوله السيد (آبو) بنفسه بهذا الصدد، في رسالته المؤرخة ب10/12/2008 من السجن: ((قلت في اللقاء السابق يجب تحديث لوزان، وعلى الأكراد أن يقولوا: نحن لا نقبل بـ "سيفر" ، ونريد تأسيس لوزاننا وتحديثها، تعلمون أن "عصمت إينونو" أخذ إلى جانبه نائبين كرديين عندما توجه للتوقيع على لوزان، وعرّفهما على أنهما كرديان ويمثلان الأكراد وقال: نحن سنحل القضية فيما بيننا. والنائبان اللذان أخذهما عصمت إينونو معه كانا نائبان عن دياربكر، أحدهما "فوزي بيك". وعلينا تحديث لوزان وتفعيل "لوزان الثاني" وبذلك يتم توسيع الـ "ميثاق مللي" ليشمل أكراد سوريا والعراق وإيران.))
ومن أجل ترسيخ "الميثاق المللي" يرى السيد (آبو) نفسه ملزماً باطلاق صفة "التمرّد" و "العصيان" على الثورات الكوردية السابقة، التي قمعها الأتاتوركيون بالحديد والنار...والأمثلة كثيرة عن ذلك في كتبه، وبخاصة بعد اعتقاله واختطافه إلى تركيا.
إنه يقول في دفاعه المرفوع للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: ((والقضية الكردية أصبحت ظاهرة تتضمن أكبر تراكم للعنف وللتقييد الثقيل الذي تعيشه، فقد حدثت تمردات على مدى قرون بسبب هذه القضية، ونظراً لعدم وصول هذه التمردات إلى السلام العادل المشرف، فقد سادت أجواء "اللاحرب واللاسلم" ليصبح قدراً يمسك بأعناق شعبنا كطراز صعب ومشؤوم من الحياة...)) (من دولة الكهنة السومرية إلى الحضارة الحديثة، ص 555 من النص على شكل دينا 4)
والحلول القومية قد أخذت في نظره حجماً اكبر من حقيقتها: ((لقد سعيتُ في مرافعاتي إلى التأكيد على أن الحل المعاصر للقضية الكردية يمر عبر الديمقراطية الكاملة ومعايير الدولة الحقوقية، فالحلول القومية التي ترجع في أساسها الى القرن التاسع عشر والقرن العشرين أثبتت بأنها أخذت أكثر مما منحته للشعوب...)) (المصدر نفسه: ص 576 على شكل دينا 4)
حتى أن يتهم حزبه العمالي الكوردستاني أيضاً ب"التمرّد" بدل استخدام مصطلح الثورة، إذ يقول في دفاع الطويل الذي يشكل كتاباً من جزأين كبيرين تحت اسم "من دولة الكهنوتية السومرية إلى الحضارة الحديثة": ((إن ممارسة واقع التمرد وحملات التنكيل التي تمت حتى الآن تؤكد صحة هذا التقييم، وحتى الانطلاقة العملية بقيادة حزب العمال الكردستاني PKK الذي لم يستطع أن يتخلص من هذا التطور الأحادي الجانب، ومن تقييمه هكذا من قبل الآخرين رغم جهوده وادعاءاته العلمية.)) (ص 327 من النص على شكل دينا 4)
لقد تطرقنا في هذه الحلقة إلى مواقف السيد (آبو) من الإخوة في جنوب كوردستان، وأظهرنا مواقفه المتناقضة حيال "الحكم الذاتي" ونظرته المتقلّبة إلى "الاستقلال الوطني الناجز لكوردستان"، وبعض مواقفه تجاه قيادات جنوب كوردستان، دون الغوص عميقاً في بحر حملاته التشهيرية ضد الزعماء الكورد البارزين، ولكن يجب علينا اظهار مثل تلك التناقضات التاريخية والتقلبات في المواقف حيل شرق كوردستان وغربها أيضاً، حتى تتوضح لنا الصورة الأوجلانية في مجال "القضيةالقومية الكوردية" بشكل أفضل، وهذا ما سنمرّ عليه في الحلقة القادمة. ومن أجل الاستمرار بجدية في هذه المداخلة ل"معالجة تاريخية" للفكر الأوجلاني، أكتفي في هذه الحلقة هنا، على أمل العودة إلى الموضوع في مقال آخر أو مقالين قبل الانتقال إلى النقطة الأخيرة، التي سأتطرّق إليها في الحلقة الأخيرة إن شاء الله: -الأوجلانية والتعامل مع الرفاق.
ولكن بعض القراء الأعزاء طلبوا مني التطرّق إلى مادتين مهمتين، هما:
-الأوجلانية والمرأة.
-الأوجلانية والمثقفين.
لذا سأحاول الكتابة عن هاتين النقطتين أيضاً، وآمل أن يساهم الأنصار والمعارضون معاً في تزويدي بما لديهم من نصوص "أوجلانية" بهدف القاء مزيد من النورعليها، كونها لعبت ولا تزال تلعب دوراً هاماً في صراع شعبنا ضد أعدائه من أجل الحرية والحياة الكريمة في سلام وأمن واستقرار على أرض وطنه كوردستان. وأن يصححوا أخطائي التي أقع فيها لدى الاستعانة بالنصوص والأقوال والمداخلات إن وجدت.
والله ولي التوفيق